كالعادة في أول كل شهر وبعد قبض
المرتب دخل خالد بيته وعلي وجهه علامات الزهق
والضيق , وعلي الفور احضر ورقة وقلم واخرج المرتب ورماه أمامه علي الترابيزة ,
وبدأ حسبة برمة بتاعة كل شهر وطلع
حساب البقال والجزار والمية والكهرباء والدروس الخصوصية الخ....
خلص خالد
حسبته وبص للكام جنيه اللي فضلو من المرتب الملعون وابتسم ابتسامة متحسر وما أن هم
بوضعهم في جيبه سمع جرس الباب وجاءت ابنته تنادي .
:بابا
:ايوة يا بطة
:في واحد عايزك بره
:مين ؟
:معرفش
وراح واقف ومشي ناحية الباب فوجد
رجلا لأول مرة يراه
نظر إليه مرحبا ..
:اهلا وسهلا .. اي خدمة ؟
فرد الرجل باسما ..
:اهلا بحضرتك , انا محصل الأحلام .
لم يفهم خالد
شئ ونظر للرجل في بلاهة ولكن الرجل أكمل حديثه ..
:الحكومة انشأت الشهر ده وزارة
الأحلام وقررت الوزارة وضع تسعيرة للأحلام حسب نوع الحلم ومدته .
نظر إليه خالد
وقال ..
:طب واللي يحلم حلم واحد بيتكرر كل
يوم ؟
رد المحصل ..
:دا يا استاذ خالد يبقي حلم سوبر وبيدفع نص التكاليف بس,
وفي الخطة الجديدة للوزارة انها
هتخصص الأحلام .
إمتلئ خالد
بالغيظ وقال في نرفزة .
:طب انا مش دافع هتعملوا إيه ؟
رد المحصل بمنتهي الهدوء
:ولا حاجة حتبقي عليك غرامة ..
:غرامة .. كام يعني ؟
:لا مش فلوس انت اللي هتاخد
خالد باسما ..
:انا ..طب هات يا سيدي هتدوني إيه ؟
:حتاخد تلات شهور كوابيس بدل
الأحلام .
:مش مهم .. كوابيس كوابيس هو احنا
بنشوف غيرها .
فأكمل المحصل ..
:وبعد كده حتبقي مجرم حلم وضد حقوق
الأنسان في ابسط حقوقه وهو انه يحلم .
:دا اللي هو انا ؟
:أيوة .. وبعدين حتبقي انسان متطرف
وضد النظام ومجلس الأمن لشئون الحلم هيطالب بمحاكمتك كمجرم حلم ..
فقال خالد
بمرارة ..
:لا يا عم علي إيه .. هي الفاتورة
بكام ؟
دفع خالد
الفاتورة وهو يكلم نفسه والشر يخرج من عينيه والحسرة ملياه علي المرتب اللي راح
علي الأحلام .
.....وفي المساء ..
ذهب لجلسته اليومية علي القهوة مع
اصحابة ووجد حديث الجميع علي فاتورة الاحلام .,
جلس خالد
مع اصحابه ولكن لم يحضر حسين ومحمود علي غير العادة ولما طال الإنتظار ذهبوا ليطمئنوا
عليهم
كان بيت حسين
هو الاقرب فذهبوا إليه أولا وفتحت زوجة حسين الباب
وعلي وجهها علامات الفزع والقلق ولما رأوا ذلك سألوا في لهفة قلقة ..
:في إيه .. إيه اللي حصل ؟
ردت والكلمات تجري علي لسانها في خوف
..
: حسين في القسم من امبارح بالليل .
فردوا في وقت واحد مذهولين ..
: حسين
؟
ذهب الجميع إلي قسم الشرطة وكان
معهم زين صديقهم المحامي , تقدم زين للضابط
النوبتجي وسأله ..
: يا حضرة الضابط هو حسين عمل إيه ؟
فقال الضابط في استعلاء ..
: ومين حضرتك إن شاء الله ؟
:انا زين
سالم المحامي حاضر مع حسين وعايز اعرف سبب
القبض عليه ..
فرد الضابط في غيظ ..
: طبعا ممكن .. خد عندك ..
حسين متهم بالتعدي علي املاك الدولة ومخالفة القانون العسكري بالبناء علي
الأراضي الزراعية ومزاولة مهنة بدون ترخيص , دا غير إنه متهرب من اربعة مليون جنيه
ضرائب , واستغلال وظيفته لأغراض ومنافع شخصية وتسهيلات غير قانونية ..
انعقدت ألسنة الجميع فكلهم يعرفون
ان حسين لا يملك سوي مرتبه فهو مهندس باحدي جمعبات
الإصلاح الزراعي ,
وبعد فترة افاق زين علي صوت الضابط وهو يقول .
:ايوة .. إيه رأيك يا إستاذ ؟
رد زين
وهو لا يصدق ما يحدث ..
:إزاي يا حضرة الضابط دا حسين ما حيلتوش غير مرتبه
فرد الضابط بثقة الخبير ببواطن
الأمور ..
:لا يا حضرة ما هو الشهر اللي فات
حلم .
رد الجميع في ذهول ..
: حلم ؟؟؟
فرد الضابط مؤكدا ..
: ايوة يا سيدي حلم ,
حلم انه بيملك مية وخمسين فدان
موالح وفيلا في المنصورية وشاليه في الساحل الشمالي ومعاه اكتر من عربية وولاده في
مدارس لغات وانه بني قصر كبير علي ارضه بدون استخراج التضاريح اللازمة لكل ده ودا
أولا .
مازال الجميع في ذهول والضابط يكمل
كلامه ..
:ثانيا المية وخمسين فدان دول من
املاك الدولة يعني اعتدي علي املاك الدولة بدون تصاريح ..
وثالثا ,
فقاطعه احدهم
:هو لسه فيه ثالثا ؟
فرد الضابط ..
:وخامسا كمان ..
ثالثا قضية تهرب ضريبي من عشر سنين
وهنا قال
زين ..
:حضرتك مش بتقول إنه حلم الشهر اللي
فات ؟
:أيوة .
طب العشر سنين دول منين ؟
:بص يا إستاذ زين هو المهندس حسين
متجوز من امتي ؟
: من حوالي عشر سنين
:اهو في الحلم بتاعه حلم بكل
الحاجات انها حصلت قبل الجواز دا غير انه استغل وظيفته في الحصول علي السماد
والمخصبات الزراعية بدون وجه حق ودا طبعا رابعا .,
وخامسا ..حلم انه فتح مكتب استيراد
وتصدير بدون تصاريح لمزاولة المهنة وهو هيتحول للنيابة الصبح دا غير من اين لك هذا
انتوا فاكرينها سايبه ؟
وفي النيابة ..
امرت النيابة بالافراج عنه بكفالة
خمسمائة الف جنيه ومصادرة جميع املاكه هو واسرته والدفع أو الحبس .
ولليوم الثاني لم يحضر محمود للقهوة وكانوا مشغولين بقضية حسين ولما انتبهوا لذلك اسرعوا لمنزل محمود ففتحت الباب زوجته فاسرعوا بسؤالها ..
: فين محمود
؟
فردت الزوجة بصعوبة ..
:من أول امبارح جات ناس في نص الليل
وقالوا له عايزينك شوية وهترجع تاني ولحد دلوقتي مرجعش
نظر الجميع لبعضهم البعض فقد عرفوا
اين محمود ,
ذهب الجميع لمباحث امن الدولة
وسألوا عليه ولاحظوا ان الجميع ينظر اليهم بنظرات كلها شك وريبه وجاء احدهم وكلمهم
بمنتهي اللطف والاحترام وتقدمهم لإحدي الحجرات ولم يعرفوا كيف وصلوا إليها وهات يا
سين وجيم وهم مش فاهمين حاجة خالص , وخلصوا سين وجيم وخدوهم لمكتب تاني وقعدوا
وطلبولهم ليمون وقال احد الضباط ..
:حالا هييجي الاستاذ محمود بس يا ريت تعقلوه وتقولوا يعترف لإن الإنكار مش
هيفيدوا .
فقال احدهم ..
: خير يا افندم .. هو محمود عمل إيه ؟
وهنا نظر الضابط لهم نظرة جعلتهم
يلتصقون ببعضهم من الرعب وقال لهم ..
:يعني مش عارفين هو عمل إيه ؟
فقالوا مرعوبين في صوت واحد ..
: لا والله يا باشا ؟!
فقال الضابط مؤكدا ..
: محمود
كان بيحلم يا اساتذة .
فعاد الجميع ورددوا في صوت واحد ..
:إيه .. بيحلم ؟!!!
فرد الضابط بضيق وغضب ..
: ايوة بيحلم إنه وزير .. طب وزير
لمين ؟
وبيشتغل مع مين ؟
ومين اللي هيخليه وزير ؟
ومين الجهة اللي بتموله علشان يحلم
بكده ؟
وهنا قال الضابط في هدوء مفسرا ..
: احنا في بلد ديموقراطي ومن حقه
يحلم بكل حاجة بس لازم يكون مؤهل للأحلام دي ويكون معاه ترخيص من هيئة الرقابة علي
الاحلام ,
وبعدين مين المسئول عن القرارات
اللي خدها في حلمه .
يا اساتذة في نظام , الحكاية مش
سايبه .
وعندما دخل عليهم محمود لم يتعرفوا عليه فلقد تغيرت تضاريس وجهه وجميع
ملامحه وعندما رآهم رمي بنفسه في احضانهم باكيا وقال للضابط ..
:اهو دول اصحابي وكان نفسي يكونوا
معايا في الحلم ويكونوا وزرا .
وهنا علا صوت الضرب والصرخات الي ان
قال محمود للضابط ..
:ياباشا ما هم مكانوش معايا في
الحلم لانهم في الحلم كانوا مسافرين .
خرج الجميع من امن الدولة بعد
توقيعهم علي اوراق تضمن عدم حلمهم بهذه النوعية من الاحلام إلا بعد تصريح من الجهات المختصة
لكنهم لم يذهبوا الي بيوتهم بل
ذهبوا الي هيئة الرقابة علي الأحلام وقدموا طلبا موحدا وهو رفع خدمة الأحلام !